مكتبة أنوار التوحيد




إعلان عامٌّ لتحرير الإنسان في الأرض

من كتاب في ظلال القرآن لسيد قطب رحمه الله

[ج3/ص1433]

إن هذا الدين إعلان عام لتحرير «الإنسان» في «الأرض» من العبودية للعباد - ومن العبودية لهواه أيضا وهي من العبودية للعباد - وذلك بإعلان ألوهية اللّه وحده - سبحانه - وربوبيته للعالمين.. إن إعلان ربوبية اللّه وحده للعالمين معناها: الثورة الشاملة على حاكمية البشر في كل صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها والتمرد الكامل على كل وضع في أرجاء الأرض الحكم فيه للبشر بصورة من الصور.. أو بتعبير آخر مرادف:

الألوهية فيه للبشر في صورة من الصور.. ذلك أن الحكم الذي مردّ الأمر فيه إلى البشر، ومصدر السلطات فيه هم البشر، هو تأليه للبشر، يجعل بعضهم لبعض أربابًا من دون اللّه.. إن هذا الإعلان معناه انتزاع سلطان اللّه المغتصب ورده إلى اللّه وطرد المغتصبين له الذين يحكمون الناس بشرائع من عند أنفسهم فيقومون منهم مقام الأرباب ويقوم الناس منهم مقام العبيد.. إن معناه تحطيم مملكة البشر لإقامة مملكة اللّه في الأرض..

أو بالتعبير القرآني الكريم:

{وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ} [الزخرف: 84]..

{إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [يوسف: 40].

{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64]..

ومملكة اللّه في الأرض لا تقوم بأن يتولى الحاكمية في الأرض رجال بأعيانهم - هم رجال الدين كما كان الأمر في سلطان الكنيسة، ولا رجال ينطقون باسم الآلهة، كما كان الحال في ما يعرف باسم «الثيوقراطية»(1) أو الحكم الإلهي المقدس!!! - ولكنها تقوم بأن تكون شريعة اللّه هي الحاكمة وأن يكون مرد الأمر إلى اللّه وفق ما قرره من شريعة مبينة.

وقيام مملكة اللّه في الأرض، وإزالة مملكة البشر. وانتزاع السلطان من أيدي مغتصبيه من العباد وردّه إلى اللّه وحده. وسيادة الشريعة الإلهية وحدها وإلغاء القوانين البشرية.. كل أولئك لا يتم بمجرد التبليغ والبيان.

لأن المتسلطين على رقاب العباد، المغتصبين لسلطان اللّه في الأرض، لا يسلمون في سلطانهم بمجرد التبليغ والبيان. وإلّا فما كان أيسر عمل الرسل في إقرار دين اللّه في الأرض! وهذا عكس ما عرفه تاريخ الرسل - صلوات اللّه وسلامه عليهم - وتاريخ هذا الدين على ممر الأجيال! إن هذا الإعلان العام لتحرير «الإنسان» في «الأرض» من كل سلطان غير سلطان اللّه، بإعلان ألوهية اللّه وحده وربوبيته للعالمين، لم يكن إعلانًا نظريًا فلسفيًا سلبيًا.. إنما كان إعلانًا حركيًا واقعيًا إيجابيًا.. إعلانًا يراد له التحقيق العملي في صورة نظام يحكم البشر بشريعة اللّه ويخرجهم بالفعل من العبودية للعباد إلى العبودية للّه وحده بلا شريك.. ومن ثم لم يكن بد من أن يتخذ شكل «الحركة» إلى جانب شكل «البيان».. ذلك ليواجه «الواقع» البشري بكل جوانبه بوسائل مكافئة لكل جوانبه.

والواقع الإنساني، أمس واليوم وغدًا، يواجه هذا الدين - بوصفه إعلانًا عامًا لتحرير «الإنسان» في «الأرض» من كل سلطان غير سلطان اللّه - بعقبات اعتقادية تصورية. وعقبات مادية واقعية.. عقبات سياسية واجتماعية واقتصادية وعنصرية وطبقية، إلى جانب عقبات العقائد المنحرفة والتصورات الباطلة.. وتختلط هذه بتلك وتتفاعل معها بصورة معقدة شديدة التعقيد..

وإذا كان «البيان» يواجه العقائد والتصورات، فإن «الحركة» تواجه العقبات المادية الأخرى - وفي مقدمتها السلطان السياسي القائم على العوامل الاعتقادية التصورية، والعنصرية والطبقية، والاجتماعية والاقتصادية المعقدة المتشابكة.. وهما معًا - البيان والحركة - يواجهان «الواقع البشري» بجملته، بوسائل مكافئة لكل مكوناته.. وهما معًا لا بد منهما لانطلاق حركة التحرير للإنسان في الأرض.. «الإنسان» كله في «الأرض» كلها.. وهذه نقطة هامة لا بد من تقريرها مرة أخرى! إن هذا الدين ليس إعلانًا لتحرير الإنسان العربي! وليس رسالة خاصة بالعرب!.. إن موضوعه هو «الإنسان».. نوع «الإنسان».. ومجاله هو «الأرض».. كل الأرض. إن اللّه - سبحانه - ليس ربًا للعرب وحدهم ولا حتى لمن يعتنقون العقيدة الإسلامية وحدهم.. إن اللّه هو «رب العالمين».. وهذا الدين يريد أن يرد «العالمين» إلى ربهم وأن ينتزعهم من العبودية لغيره. والعبودية الكبرى - في نظر الإسلام - هي خضوع البشر لأحكام يشرعها لهم ناس من البشر.. وهذه هي «العبادة» التي يقرر أنها لا تكون إلّا للّه. وأن من يتوجه بها لغير اللّه يخرج من دين اللّه مهما ادعى أنه في هذا الدين. ولقد نص رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - على أن «الاتباع» في الشريعة والحكم هو «العبادة» التي صار بها اليهود والنصارى «مشركين» مخالفين لما أمروا به من «عبادة» اللّه وحده ..

أخرج الترمذي - بإسناده - عن عَدِى بن حاتم - رضي الله عنه - أنه لما بلغته دعوة رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فرّ إلى الشام. وكان قد تنصر في الجاهلية. فأُسرت أخته وجماعة من قومه. ثم منّ رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - على أخته وأعطاها. فرجعت إلى أخيها فرغبته في الإسلام، وفي القدوم على رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فتحدث الناس بقدومه. فدخل على رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وفي عنقه (أي عَدِي) صليب من فضة وهو (أي النبي صلى الله عليه وسلم) يقرأ هذه الآية: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة : 31].. قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم. فقال: «بَلَى! إِنَّهَمْ حَرَّمُوا عَلَيْهُمُ الحَلَالَ، وَأَحَّلُّوا لَهُمُ الحَرَامَ. فَاتَّبَعُوهُمْ. فَذَلِكَ عِبَادَتُهُمْ إِيَّاهُمْ»(2)...

وتفسير رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - لقول اللّه سبحانه، نص قاطع على أن الاتباع في الشريعة والحكم هو العبادة التي تخرج من الدين، وأنها هي اتخاذ بعض الناس أربابًا لبعض.. الأمر الذي جاء هذا الدين ليلغيه، ويعلن تحرير «الإنسان» في «الأرض» من العبودية لغير اللّه..

ومن ثم لم يكن بدٌّ للإسلام أن ينطلق في «الأرض» لإزالة «الواقع» المخالف لذلك الإعلان العام.. بالبيان وبالحركة مجتمعين.. وأن يوجه الضربات للقوى السياسية التي تُعبِّد الناس لغير اللّه - أي تحكمهم بغير شريعة اللّه وسلطانه - والتي تحول بينهم وبين الاستماع إلى «البيان» واعتناق «العقيدة» بحرية لا يتعرض لها السلطان.

 


(1) وهي عبارة عن كلمتين في اليونانية: الأولى كلمة"ثيو" وتعني: إله، والثانية كلمة "قراط" وتعني الحكم، ويقصد منها أنها حكومة الإله أو الآلهة الذين يكونون ممثلين برجال (كهنوت) أو زعماء روحيين مقدسين، يسيطرون على الناس ويستغلونهم. ومن أمثلتها حكومة الباباوات في العصور الوسطى، فيكون لهؤلاء الرؤساء سلطات روحية ولهم حق الغفران والحرمان، وتجب طاعتهم المطلقة وأقوالهم قانون لأنهم يمثلون الإرادة الإلهية كما يزعمون.

(2) اللفظ الصحيح لحديث عَدِي بن حاتم رضي الله عنه: « ... فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ بَرَاءَةٌ فَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} حَتَى فَرَغَ مِنْهَا، فَقُلْتُ: إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ. فَقَالَ: أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ، وَيُحِلُّونَ مَــــا حَــرَّمَ اللَّهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ؟ قُلْتُ بَلَى. قَـــالَ: فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ». رواه الترمذي في سننه: باب تفسير القرآن (3095)، ونسب السيوطي في الدر المنثور: (4/174) تحسين الحديث إلى الترمذي، وزاد نسبة الحديث وعزْوه إلى ابن سعد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في سننه.

 

 

forprint


تاريخ الإضافة : 3/11/2011
الزيارات : 3153
رابط ذو صله : http://www.alanwor.com
الكاتب : سيد قطب رحمه الله
القسم : حول الواقع المعاصر

أضف تعليقك





















جميع الحقوق محفوظة © 1433 هـ