مكتبة أنوار التوحيد




وإن تعجب فعجب قولهم

بسم الله وبه نستعين والحمد لله رب العالمين.

لقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أخبر أن هذا الدين سيعود غريبًا كما بدأ، وأن هذه الأمة ستتبع سَنَن من كان قبلها حَذو القذّة بالقذّة(1).

يستدل البعض باختلاف ابن باز والعثيمين والألباني في مسألة قيام الحجة والعذر بالجهل لمن وقع في الشرك الأكبر على أن هذه المسألة خلافية بين أهل السنة والجماعة؟!!

لقد ضلت اليهود والنصارى يوم قدَّموا آراء الرجال على كتاب الله، وقالوا: لا نسبق علماءنا بشيء، ما أمرونا به ائتمرنا وما نهونا عنه انتهينا ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم.

ومن عرف دين الإسلام وعرف ما وقع فيه الناس من التغيير عظمت عنده نعمة الهداية وعرف قدر هذا الدعاء: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.

متى كان الإسلام هو مجرد قول لا إله إلّا الله من غير معرفة لمعناها ولا عمل بما دلّت عليه، لقد بعث الله رسله كلهم بدين واحد ألا وهو الإسلام، قال تعالى: { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]، فهل يحصل هذا من غير معرفة ولا اعتقاد ولا إقرار ولا عمل؟!

كيف تكون العبادة لله وحده إذا كان الرجل يدعو الله ويدعو البدوي والجيلاني والأسمر وغيرهم؟!!

أم أن إفراد الله بالعبادة ليس شرطًا في الإسلام؟!

كيف تكون العبودية خالصة لله والناس يتبعون ما شرعه الحكام والرؤساء والشيوخ مما لم يأذن به الله ولم ينزل به سلطانه، بل سماه طاغوتًا وحكم الجاهلية وأهواء قوم لا يعلمون ووحي الشياطين ودين الملك؟!!

الذي يعتقد في الولي الفلاني أنه ينفع ويضر ويشفع عند الله ويجيب الدعاء ويفرج الكربات ويفيض بالبركات وينزل الرحمات، يختلف في الحكم عليه أهل السنة والجماعة، فمنهم من يعذره بجهله ويعتبره مسلمًا على دين المرسلين وملة إبراهيم، ومنهم من يعتبره مشركًا كافرًا ولا يعذره بالجهل، ولا يكون هذا الخلاف بينهم خلاف تضاد؟!!

سبحان الله أين عقول القوم؟!

والذي يُنَحِّي شريعة الله ويستبدلها بشريعة البشر، ويجعل الحكم لغير الله، ويرفض الحكم بما أنزل الله، ويعبِّد الناس لغير الله، يختلف في الحكم عليه أهل السنة والجماعة، فمنهم من يعذره بجهله وعدم قصده للكفر وعدم استحلاله ويعتبره مسلمًا على دين المرسلين وملة إبراهيم، ومنهم من يعتبره مشركًا كافرًا ولا يعذره بالجهل، ولا يكون هذا الخلاف بينهم خلاف تضاد؟!!

سبحان الله أين عقول القوم؟!

والذي يؤمن بهؤلاء الطواغيت ويواليهم وينصرهم ويعينهم ويتبعهم ويحكم بشريعتهم ويتحاكم إليها، يختلف في الحكم عليه أهل السنة والجماعة، فمنهم من يعذره بجهله وعدم قصده للكفر ويعتبره مسلمًا لله وحده على دين المرسلين وملة إبراهيم، ومنهم من يعتبره مشركًا كافرًا ولا يعذره بالجهل، ولا يكون هذا الخلاف بينهم خلاف تضاد؟!!

سبحان الله أين عقول القوم؟!

الذي لا يعذره بالجهل يحكم عليه بالكفر لأن الإسلام عنده لا يكون إلا بترك الشرك سواء كان فعله عن جهل أو عن علم.

والذي يعذره بالجهل يحكم عليه بالإسلام لأن لا يعتبر ترك الشرك شرطًا في الإسلام إن كان صاحبه فعله عن جهل.

ولا يعتبر الأول أن الثاني في دين آخر مع أنه لا يوافقه في أصل الدين وحقيقته!!!

هذا قليل من كثير من ضلالات القوم لا يعرفه إلّا من منَّ الله عليه بالهداية واتباع ملة إبراهيم.

ما علاقة الحجة من حيث قيامها أو فهمها في الحكم على جاهل الإسلام بالكفر والضلال؟!

أليست لا إله إلّا الله هي أصل الإسلام وحقيقته وهي ملة إبراهيم ودين الأنبياء جميعًا؟

أليس من جهل التوحيد فقد جهل الإسلام؟

من جهل التوحيد فقد أخل بأول شرط ليكون مسلمًا وهو العلم بما دلت عليه كلمة التوحيد من إخلاص العبادة لله والبراءة من الشرك وأهله.

ومن جهل التوحيد فلا يمكن أن يكون مصدقًا به معتقدًا له.

ومن جهل التوحيد فلا يمكن أن يكون شاهدًا به إقرارًا واعترافًا واستجابةً.

ومن جهل التوحيد لا يمكن أن يكون عاملًا به ملتزمًا له.

ومن جهل التوحيد لا يمكن أن يكون متبرئًا من الشرك وأهله.

ومن جهل التوحيد لا يمكن أن يكون محبًا له باغضًا لنقيضه.

فأي إسلام هذا الذي يكون من غير معرفة، ولا اعتقاد، ولا إقرار، ولا عمل، ولا براءة من الشرك وأهله، ولا محبة للتوحيد وبغض لنقيضه؟!!

لقد عرفت الجاهلية الأولى من العرب والفرس والروم واليهود أن الدين الذي يدعو إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو توحيد الله وإفراده بالعبادة والكفر بما يعبد من دونه وطاعة رسوله فيما جاء به، ولم يكن أحدهم يتصور أنه يمكن أن يتبع أحد رسول الله صلى الله عليه وسلم دون أن يترك عبادة غير الله وما عليه هو وآباؤه من الدين الباطل.

فأي سنة هذه وأي جماعة التي ينتسب إليها هؤلاء؟!

أهذا هو ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه؟!

أهذا هو العلم الذي يدعوننا لأن نأخذه عنهم؟!

والله إن الجاهلية الأولى لأخف مما عليه أكثر أهل العمائم اليوم.

كيف يمكن لعاقل أن يتصور أن جاهل الشيء يمكن أن يكون معتقدًا له.

الجهل بالإسلام مانع من الإسلام ولا يمكن أن يكون صاحبه مسلمًا هذا ما يعرفه المسلمون وما يعرفه العقلاء أيضًا، ولا يمكن تصور خلافه إلّا إذا سرنا على نهج النصارى دع عقلك خارج الكنيسة لكي تؤمن بأن الواحد يساوي ثلاثة وبأنه لا فرق بين الخالق والمخلوق وبين العبد والرب!!

الإسلام بيِّنٌ واضحٌ في كتاب الله عز وجل ومن اتبع هدى الله واعتصم به فلن يضل ولن يحتار ولن يشقى، ومن أعرض عن ذكر الله وهداه فليس له إلّا المعيشة الضنكى والضلال المبين، ومن استنصح الرجال ونبذ كتاب الله وراء ظهره فليرتقب نصيبه من الضلال أو الغضب.

هذا هو الإسلام لمن أراده:

قال تعالى: { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36].

وقال تعالى: { فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [البقرة: 256].

وقال تعالى: { وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [لقمان: 22].

وقال تعالى: { وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [النساء: 125].

وقال تعالى: { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران:64].

وقال تعالى: { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} [الزخرف: 26-27].

وقال تعالى: { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة: 4].

وقال تعالى: { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ} [الأنعام: 162].

وقال تعالى: { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 104].

وقال تعالى: { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5].

وقال تعالى: { إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ * يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 37 - 40].

وقال تعالى: { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [سورة الكافرون].

فمن شاء أن يلحق بالركب فليتدارك نفسه قبل أن تصل الروح إلى الحلقوم، ويعلم معنى قوله تعالى: { رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الحجر: 2-3].

وقوله: { فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 102].

وقال تعالى: { أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الزمر: 56-58].

ومن سأل عن هؤلاء الركب فهم:

قال تعالى: { وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ} [الزمر: 17].

وقال تعالى: { الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ } [الأنعام: 82].

وقال تعالى: { أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا} [آل عمران: 20].

وقال تعالى: { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108].

وقال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأحقاف: 13].

وقال تعالى: { حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِه} [الحج: 31].

وقال تعالى: { قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 133].

أسأل الله أن يهدي من ضل عن الحق وهو يحسب أنه على الحق حتى يصير من أهل الحق.



(1) القُذَّةُ بضم القاف واحدة القُذَذِ وهي ريش السهم، وله قُذَّتَانِ متساويتان، أي: لتفعلن أفعالهم، ولتتبعن طرائقهم حتى تشبهوهم وتحاذوهم، كما تشبه قُذَّةُ السهم القُذَّةَ الأخرى.

 

forprint


تاريخ الإضافة : 13/11/2011
الزيارات : 3411
رابط ذو صله : http://www.alanwor.com
الكاتب : أبو الفضيل ناصر الدين النعيمي
القسم : مقتطفات في التوحيد والعقيدة

أضف تعليقك





















جميع الحقوق محفوظة © 1433 هـ