مكتبة أنوار التوحيد




تكاليف البيعة مع الله وصفات المبايعين

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعلنا بنعمته وفضله مسلمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين.
يقول المولى - جل وعلا -: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111)}
[التوبة: 111].
قال سيد قطب رحمه الله:
إنه نص رهيب! إنه يكشف عن حقيقة العلاقة التي تربط المؤمنين باللّه, وعن حقيقة البيعة التي أعطوها - بإسلامهم - طوال الحياة. فمن بايع هذه البيعة ووفّى بها فهو المؤمن الحق الذي ينطبق عليه وصف (المؤمن) وتتمثل فيه حقيقة الإيمان. وإلّا فهي دعوى تحتاج إلى التصديق والتحقيق!
حقيقة هذه البيعة - أو هذه المبايعة كما سمّاها اللّه كرمًا منه وفضلًا وسماحة - أن اللّه - سبحانه - قد استخلص لنفسه أنفس المؤمنين وأموالهم; فلم يعد لهم منها شيء.. لم يعد لهم أن يستبقوا منها بقية لا ينفقونها في سبيله. لم يعد لهم خيار في أن يبذلوا أو يمسكوا.. كلا.. إنها صفقة مشتراة, لشاريها أن يتصرف بها كما يشاء, وفق ما يفرض ووفق ما يحدد, وليس للبائع فيها من شيء سوى أن يمضي في الطريق المرسوم, لا يتلفت ولا يتخير, ولا يناقش ولا يجادل, ولا يقول إلّا الطاعة والعمل والاستسلام.. والثمن: هو الجنة.. والطريق: هو الجهاد والقتل والقتال.. والنهاية: هي النصر أو الاستشهاد:
{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ}..

من بايع على هذا. من أمضى عقد الصفقة. من ارتضى الثمن ووفّى. فهو المؤمن.. فالمؤمنون هم الذين اشترى اللّه منهم فباعوا.. ومن رحمة اللّه أن جعل للصفقة ثمنًا, وإلّا فهو واهب الأنفس والأموال, وهو مالك الأنفس والأموال.........
وإنها لبيعة رهيبة - بلا شك - ولكنها في عنق كل مؤمن - قادر عليها - لا تسقط عنه إلّا بسقوط إيمانه. ومن هنا تلك الرهبة التي أستشعرها اللحظة وأنا أخط هذه الكلمات:
{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ}..
عونك اللهم! فإن العقد رهيب .. وهؤلاء الذين يزعمون أنفسهم «مسلمين» في مشارق الأرض ومغاربها, قاعدون, لا يجاهدون لتقرير ألوهية اللّه في الأرض, وطرد الطواغيت الغاصبة لحقوق الربوبية وخصائصها في حياة العباد. ولا يقتلون. ولا يقتلون. ولا يجاهدون جهادًا ما دون القتل والقتال!

ولقد كانت هذه الكلمات تطرق قلوب مستمعيها الأولين - على عهد رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فتتحول من فورها في القلوب المؤمنة إلى واقع من واقع حياتهم; ولم تكن مجرد معان يتملّونها بأذهانهم, أو يحسونها مجردة في مشاعرهم. كانوا يتلقونها للعمل المباشر بها. لتحويلها إلى حركة منظورة, لا إلى صورة متأملة.. هكذا أدركها عبد اللّه بن رواحة - رضي اللّه عنه - في بيعة العقبة الثانية. قال محمد بن كعب القرظي وغيره (1): قال عبد الله بن رواحة - رضي اللّه عنه - لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم - (يعني ليلة العقبة) -: اشترط لربك ولنفسك ما شئت. فقال: «أَشْتَرِطُ لِرَبِّي أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا; وَأَشْتَرِطُ لِنَفْسِي أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ». قال: فما لنا إذا نحن فعلنا ذلك? قال: «الْجَنَّةُ». قالوا: ربح البيع, ولا نقيل ولا نستقيل (2).
هكذا .. «ربح البيع ولا نقيل ولا نستقيل».. لقد أخذوها صفقة ماضية نافذة بين متبايعين؛ انتهى أمرها, وأمضي عقدها, ولم يعد إلى مردّ من سبيل: «لا نقيل ولا نستقيل» فالصفقة ماضية لا رجعة فيها ولا خيار؛ والجنة: ثمن مقبوض لا موعود! أليس الوعد من اللّه? أليس اللّه هو المشتري? أليس هو الذي وعد الثمن. وعدًا قديمًا في كل كتبه:

{وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ}..

{وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ}.
أجل! ومن أوفى بعهده من اللّه?
إن الجهاد في سبيل اللّه بيعة معقودة بعنق كل مؤمن.. كل مؤمن على الإطلاق منذ كانت الرسل ومنذ كان دين اللّه.. إنها السنة الجارية التي لا تستقيم هذه الحياة بدونها ولا تصلح الحياة بتركها: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ}
[البقرة: 251].........
وما دام في «الأرض» كفر. وما دام في «الأرض» باطل. وما دامت في «الأرض» عبودية لغير اللّه تذل كرامة «الإنسان» فالجهاد في سبيل اللّه ماض, والبيعة في عنق كل مؤمن تطالبه بالوفاء. وإلّا فليس بالإيمان: و «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِغَزْوٍ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةِ نِفَاقٍ»
(3)...
{فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}.
استبشروا بإخلاص أنفسكم وأموالكم للّه, وأخذ الجنة عوضًا وثمنًا, كما وعد اللّه.. وما الذي فات? ما الذي فات المؤمن الذي يسلم للّه نفسه وماله ويستعيض الجنة? واللّهِ ما فاته شيء. فالنفس إلى موت, والمال إلى فوت. سواء أنفقهما صاحبهما في سبيل اللّه أم في سبيل سواه! والجنة كسب. كسب بلا مقابل في حقيقة الأمر ولا بضاعة! فالمقابل زائل في هذا الطريق أو ذاك!
ودع عنك رفعة الإنسان وهو يعيش للّه. ينتصر - إذا انتصر - لإعلاء كلمته, وتقرير دينه, وتحرير عباده من العبودية المذلة لسواه. ويستشهد - إذا استشهد - في سبيله, ليؤدي لدينه شهادة بأنه خير عنده من الحياة. ويستشعر في كل حركة وفي كل خطوة - أنه أقوى من قيود الأرض وأنه أرفع من ثقلة الأرض, والإيمان ينتصر فيه على الألم, والعقيدة تنتصر فيه على الحياة.........
والمؤمنون الذين عقد اللّه معهم البيعة, والذين تتمثل فيهم حقيقة الإيمان هم قوم تتمثل فيهم صفات إيمانية أصيلة: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْأمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ}
[التوبة: 112].........
هذه هي الجماعة المؤمنة التي عقد اللّه معها بيعته. وهذه هي صفاتها ومميزاتها: توبةٌ ترد العبد إلى اللّه, وتكفه عن الذنب, وتدفعه إلى العمل الصالح. وعبادةٌ تصله باللّه وتجعل اللّه معبوده وغايته ووجهته. وحمدٌ للّه على السراء والضراء نتيجة الاستسلام الكامل للّه والثقة المطلقة برحمته وعدله. وسياحة في ملكوت اللّه مع آيات اللّه الناطقة في الكون الدالة على الحكمة والحق في تصميم الخلق. وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر يتجاوز صلاح الذات إلى إصلاح العباد والحياة. وحفظ لحدود اللّه يرد عنها العادين والمضيعين, ويصونها من التهجم والانتهاك..
هذه هي الجماعة المؤمنة التي بايعها اللّه على الجنة, واشترى منها الأنفس والأموال, لتمضي مع سنة اللّه الجارية منذ كان دين اللّه ورسله ورسالاته. قتال في سبيل اللّه لإعلاء كلمة اللّه; وقتل لأعداء اللّه الذين يحادّون الله; أو استشهاد في المعركة التي لا تفتر بين الحق والباطل, وبين الإسلام والجاهلية, وبين الشريعة والطاغوت, وبين الهدى والضلال.

وليست الحياة لهوًا ولعبًا. وليست الحياة أكلًا كما تأكل الأنعام ومتاعًا. وليست الحياة سلامة ذليلة, وراحة بليدة ورضًى بالسلم الرخيصة.. إنما الحياة هي هذه: كفاح في سبيل الحق, وجهاد في سبيل الخير, وانتصار لإعلاء كلمة اللّه, أو استشهاد كذلك في سبيل اللّه.. ثم الجنة والرضوان ..
هذه هي الحياة التي يدعى إليها المؤمنون باللّه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}
[الأنفال: 24]... وصدق اللّه. وصدق رسول اللّه..
انتهى كلامه رحمه الله
(4).
اللهم اجعلنا ممن تتخذهم شهداء، ليؤدوا شهادة صادقة مسطرة بدمائهم على أن دين الله أغلى من النفس والمال، وأن الموت في سبيل الله خير مما يجمع الناس ويكنزون.
اللهم حبب إلينا الجهاد، وارزقنا الصدق في طلب الشهادة، واجعلنا أهلًا لها، واختم لنا بها.

__________

(1) رواه ابن جرير في التفسير (14/ 499)، ورواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (3/ 609)، ورواه أبو نعيم في دلائل النبوة (ص303). وللحديث شواهد كثيرة يتقوى بها.
(2) يقال: أقاله يُقِيله إقالة، وتقايلا: إذا فسخا البيع، وعاد المبيعُ إلى مالكه والثمنُ إلى المشتري، إذا كان قد ندم أحدهما أو كلاهما، وتكون الإقالة في البيعة والعهد. واستقاله: أي طلب إليه أن يُقيله. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر: مادة "قيل"، ج4/ص134.

(3) حديث صحيح. رواه مسلم في صحيحه: كتاب الإمارة (1910)، ورواه النسائي في سننه: كتاب الجهاد (3097)، ورواه أبو داود في سننه: كتاب الجهاد (2502)، ورواه أحمد في مسنده: 2/ 374 (8852).

(4) تم نقله من كتاب "في ظلال القرآن" لسيد قطب رحمه الله، مع بعض الاختصار، طبعة دار الشروق، ج3/ص (1716 - 1720).

     

    forprint


تاريخ الإضافة : 26/4/2012
الزيارات : 3302
رابط ذو صله : http://www.alanwor.com
الكاتب : سيد قطب رحمه الله
القسم : مقتطفات في التوحيد والعقيدة

أضف تعليقك





















جميع الحقوق محفوظة © 1433 هـ